.. ولكن، ماذا حلّ بالعشاق الجُدد والقدماء؟ - news

احدث المواضيع

Home Top Ad

الأربعاء، 15 أبريل 2020

.. ولكن، ماذا حلّ بالعشاق الجُدد والقدماء؟

أين نحن الآن من تلك الأشهر الثورية؟ فصلان فقط، الخريف والشتاء، يبعداننا عنها، وكأنهما قرنان. كانت البهجة تغمرنا، وخفّة بهذا الوجود. في مكان ما، لا نودّ إحياءه، كنا نقرّ بأن تلك الثورة، المندلعة بعفوية واحدة، لن تتحقّق أحلامها. نؤجّل التحليل، نعلم أنه لن يأتي لصالحها تماماً، ولكننا نمضي، نلتهم اللحظة كما لو كانت أبَداً. نقول بأنانية المنْتشين بأنها إنما هي أيام سعادة صرْفة، فنضطر لإعادة تعريفها، تلك السعادة، وللمرّة الألف، بأنها دائماً قصيرة الأجل. وبأننا لو أردنا التنعّم بها، فعلينا أن نغْرفها بكل ما أوتينا من اندفاع. لعلّنا بها نتوثّب نحو قلب هذا المستقبل الجذّاب؛ والذي لا نريد له أن يتأخر. يكشف أوراقه، كما كشفنا له أوراقنا. في مناخ هذه الثورة، كان ثمّة مرض معدٍ، يتسلّل إلى القلوب النديّة الخضراء، يغمر الأفراد، يلاحقهم إلى أبعد من مخيّلاتهم، فينتشر. 
إنه الحب، وليس أي نوع من الحب. إنه حب الحب. اشتهاء الحب، بابتسامة ونظرات متواطئة ومعانقات واليد باليد والأكتاف المتلاصقة وغواية لا تنتهي؛ بالمشية، بالهندام، بالتقليعات، بالألوان. شباب وشابات يشاركون في الثورة كأنهم في ملتقى عشاق. أعادني هذا المناخ إلى السبعينات، حيث كان الثوار من بيننا يجدون في النضال رفيقات القلب، والعمر غالباً. وتكون قصص الغرام بينهم تختلط بقصص النضال، وتؤرَّخ بأحداثه المهمة: كمن يتذكّر يوم التقت النظرات الأولى في تظاهرة أو مخيم أو إضراب أو مهرجان .. وكيف تكلما بلغة العيون، وعادا فالتقيا في أثناء توزيع البيان على باب المعمل الفلاني، أو كيف فرّا من الأمن الداخلي في أحد الأزقة، وقلوبهم تطير فرحاً، ولا خوف أو توتر.
مزاج ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول (في لبنان)، كان مزاج غرام صرف. يشجّع عليه،  ييسره، يصنع صوره، يصدّره إلى الجموع؛ يتدفّق مثل نهر جامح، تياره جارف، لا يعرف حدوداً غير البحر. وتكون أنت رميتَ نفسك في هذا النهر، من دون سباحة، ومن دون غرق. تلك العذوبة خلقتها الثورة، حرّكها الثوار الشباب. تجمع بين الرغبة واللذة، وتحول الغرام إلى حالةٍ شاملة، فالآخر لم يعُد آخرَ؛ أي واحد تلتقيه في الساحة، أي رجل أو امرأة؛ مشروع حبيب. كانت سعادة جماعية، لا تحتاج إلى العزلة إلا في الغراميات الممكنة، المطبّقة، المتمّمة، فهؤلاء العشاق أتوا من حالة جماعية، لكنهم انعزلوا وأصوات المدينة ما زالت تطنّ في آذانهم. وتحول لقاؤهما المغلق إلى احتفالٍ مفتوحٍ على دنيا هذه المدينة التي تبارك حبهما. إنهما في الداخل وفي الخارج في آن. يعيشان ما يأملان بأنه سيكون روتين حياتهما، تتوزع نهاراته بين الثورة والغرام. الاثنان اندمجا وأصبحا كياناً واحداً: الداخل والخارج. الثورة والغرام.
والآن، أين هو عاشقنا؟ أين هو غيره، ممن بقي عشقه مشروعا قيد التحقّق؟ أو الذي اقترن بمن يعشق في زحمة الثورة؟ الآن، توقفت الثورة. وتودّ أن يكون التوقف مؤقتاً. توقف أيضا المستقبل. تجمّد الوقت. تحولت اللحظات إلى ساعاتٍ مجهولة. لا يعرف العاشق، لا هو ولا غيره، متى يحين المستقبل. وعندما يتمنّى نهاية الإعصار الفيروسي، ليس في وسعه سوى أن يرْتعد من الخسائر الفادحة التي أحدثها على عيشه، على الدول والأوطان، فيصيبه الرَّوع، من دون أن يردعه ذلك عن استعجال هذا المستقبل .. البائس حتماً.
ثم إن المدينة صمتت، كأنها ميتة، فرغت الشوارع من المشاة والسيارات. والعزلة قسرية، عاقلة. تُرجمت بـ"التباعد الاجتماعي"، والأمتار المطلوب احترامها بين "الأشخاص"، ومنع المصافحة والعناق. أُلغيت أماكن اللقاء، العادية والثورية منها. أما المغامرون القليلون الخارجون إلى الشارع، فعلى وجوههم أقنعة، وبعضهم مع قفازات، فلا سحر فيهم، ولا غواية، بل حذر ونفور؛ من ضرورات الابتعاد السليم.
وطبعاً الإيجابيون سيرونها فرصةً لالتقاط الأنفاس، وتنشّق الهواء النظيف، والتمتّع بزقزقة  العصافير وهديل الحمام، وهم على حق بذلك، ولكن المزاج منقلب ومتقلّب. ولا يمكن أن تمتد هذه "الإيجابيات" دهراً، فالنظرات المتواطئة غابت، والمخيلة شحّت. لا تعوّضها أفلام البورنو، وقد صارت مجانية، تعويضاً .. والغرام لا يحيا بتلك الصوَر المكرَّرة، والتي قد تهيّج جنسياً، مثلما يتحمّس المرء لأكلة همبرغر سهلة، كيميائية، سوف يقرف منها ومن نفسه بعد تناولها.
إنها حالة أخرى، نقيض الحالة الثورية. وهي بصفتها هذه، أدخلت الغرام في سياقٍ جديد، قد يودي بأصحابه. لماذا؟ لأن هذا الوباء استثناء في تاريخنا الشخصي، كما هي الثورة، ولكن معكوسة. الثورة فجّرت المعايير، صنعت معرفتنا بأنفسنا، بطبائعنا وطبائع غيرنا. فكان شريك الغرام بمواصفاتٍ تلبّي هذه المعايير. الوباء ضربها. سقطَ على أنفس أخرى، طبائع أخرى، جديدة، لم يكن لها لتحيا لولاه. كانت في حالة كمون في أثناء الثورة، فانفجرت معه. الوباء أخرج من الشخص أسوأ ما عنده، أو أفضله، أخْيره. بل في الشخص الواحد، صدّرَ النقيضين أحياناً، وبنوع من التطرّف.
والعشاق الذين كان من حظهم أن يعزلوا معاً، سيكون امتحانا هو الأصعب، لتلاقي الشخصيات الجديدة التي صنعها الوباء، امتحان الغرام، بامتحان تشعّبات شخصياتهما، واحتمالاتها. والأرجح أنهما خاسران. العشاق العائشون بعيداً عن بعضهم في العزلة، امتحانهم أقل صعوبة، أو لنقل إن خسائرهم أقل فداحة. بعض الطبائع ستكون قادرة على التحكّم بصورتها الأولى؛ صورة الغرام في لحظات تجلّيه. وآخرون قد يفشلون؛ من سوء التفاهم أو حدّة الانقلاب أو صعوبات التكيّف وغرابته، أو الهشاشة، أو الصلابة. أما الموعودون، فسوف يتلوّعون من الغياب، أو عدم البوح أو الحلم. وهذه، لعمري، ملهاة الشوق، المسلّية أحياناً، شرط أن لا تكون المخيّلة قد أصابها الجفاف. وقلبي معهم كلهم..
أما المتزوجون، فلا تسأل. في الكرة الأرضية كلها، من الأرجنتين إلى الصين إلى فرنسا إلى لبنان... الصرخة واحدة: الأزواج، في العزلة المشتركة، يتذابحون. أحيانا بالاعتداء الجسدي، وأحياناً أخرى بالتعذيب النفسي. و"تقسيم العمل الجنسي" هنا: بين رجال أصحاب عضلات مفتولة، يتْقنون الضرب، وحتى القتل، ونساء صاحبات لطف شيطاني، أو لسان خطير. كل هذا يجري، والحلم بالحب شغّال، كطاحونة من دون طحين، تدور حول نفسها بلا هوادة، بلا سؤال.


from صحيفة العربي الجديد – صحيفة الزمن العربي الجديد https://www.alaraby.co.uk/opinion/2020/4/15/ولكن،-ماذا-حل-بالعشاق-الجدد-والقدماء-1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Bottom Ad

Pages